خليل الصفدي
303
أعيان العصر وأعوان النصر
منها المصحف . وأخوه علاء الدين « 1 » مدرس البادرائية كان ممن يحط عليه ، ويذكره بكل سوء ، وكان قد اتصل بخدمة الجاشنكير قبل السلطنة ، وأعجبه خطه ، فكتب له ختمة في سبعة أجزاء في ورق بغدادي ، قطع النصف بليقة ذهب قلم الأشعار ، دخل فيها ألف وستمائة دينار ليقة ، فدخل في الختمة ستمائة دينار ، وأخذ هو الباقي ، فقيل له في ذلك ، فقال : متى يعود آخر مثل هذا يكتب علي مثل هذه الختمة ، وزمكها صندل ، ورأيتها أنا وهي وقف بجامع الحاكم بالقاهرة ، وما أظنها يكون لها ثان من حسنها ، ولما فرغت أدخله الجاشنكير ديوان الإنشاء ، فما أنجب في الديوان ، فكانت الكتب التي تدفع إليه ؛ ليكتبها في أشغال الناس على القصص تبيت عنده وما تتنجز ، وهذا تعجيز من اللّه - تعالى - لمثل هذا الكاتب العظيم ، كما يحكى عن الحريري صاحب المقامات ، وأنه بعد عمل المقامات طلب إلى ديوان الإنشاء ببغداد ، فأعطاه صاحب الديوان كتابا ، فمكث فيه من بكرة النهار إلى الظهر ، وهو ينتف عثنونه ، ولم يفتح اللّه عليه بشيء ، حتى قال فيه ابن حكينا « 2 » : ( المنسرح ) شيخ لنا من ربيعة الغرس * ينتف عثنونه من الهوس أنطقه اللّه بالمشان وقد * ألجمه في العراق بالخرس هذا وقد كان يوما في بعض مجالس الأكابر ، فجرى ذكر البستي ، وقوله في رجل بخيل شرير : إن لم يكن لنا طمع في درّك فاعفنا من شرك شرّك ، فلم يبق أحد حتى استحسنها ، وأقرّ بالعجز عن الإتيان بمثلها ، فقال الحريري في الحال : وإن لم تدننا من مبارك فأبعدنا عن معارك معارك . قلت : وما لابن الوحيد والحريري إلا قول أبي الطيب : ( الكامل ) وتوهّموا اللّعب الوغى والطّعن في ال * هيجاء غير الطّعن في الميدان ولهذا إنه لما دخل ابن الوحيد ديوان الإنشاء بلغ القاضي شرف الدين بن فضل اللّه صاحب الديوان عنه كلام يفهم منه أنه ينقص به فطلبه ، وقال : اقعد ، أعطوه درجين قطع الثلاثين ، وقال : أوصل أحدهما بالآخر ، وعجل فوصلهما ، فقال : اكتب وعجّل إلى صاحب
--> ( 1 ) علاء الدين هو : علي بن شريف بن يوسف الزرعي ، توفي سنة 744 ه . ( انظر : وفيات ابن رافع : 1 / 184 ، والدرر الكامنة : 3 / 55 ) . ( 2 ) ابن حكينا هو : الحسن بن أحمد بن محمد ، توفي سنة 528 ه . ( انظر : فوات الوفيات : 1 / 319 ، وفيات الأعيان : 4 / 65 ) .